حسن ابراهيم حسن
351
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
العهد . وفي الحديث أن النبي قال « أول ما خلق اللّه تعالى العلم أو العقل » . ويقول ابن خلدون ( مقدمة ص 406 ) إن علم الكلام سمى بذلك « لما فيه من المناظرة على البدع . وهي كلام صرف ، وليست براجعة إلى عمل ، وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه تنازعهم في إثبات الكلام النفسي » إلا أن بعض أهل الحديث كانوا يعيبون على المتكلمين ردهم على أهل البدع ، بحجة أن هذا الرد ترويح لعقائد هؤلاء المبتدعين ، لأنهم - كما يقول الغزالي « 1 » - « اعتمدوا على مقدمات تسلم ( يعتقد صحتها ) من خصومهم ، واضطرهم إلى تسليمها ، إما التقليد أو إجماع الأمة ، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار . وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم . وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا » . وكان للمعتزلة أثر كبير في تطور علم الكلام ؛ فقد تم على أيديهم القول بخلق القرآن ، ونادوا بنفي الصفات ، مخالفين في ذلك جمهور أهل السنة واستمر الصراع والجدل بين طائفتى المعتزلة وأهل السنة والجماعة ، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري ، فتوسط بين الفريقين . ومن أشهر متكلمي المعتزلة أبو الهذيل العلاف المتوفى سنة 235 ه ، وقد اشتهر بالجدل ، وأصبح على رأس المعتزلة في أيامه ، وعرف أتباعه بالهذلية . وقال أحمد ابن يحيى بن المرتضى « 2 » المتوفى سنة 325 ه ، وكان من أئمة الزيدية الذين يميلون إلى مذهب المعتزلة : ما رأيت أفصح من أبى الهذيل والجاحظ . وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة ؛ شهدته في مجلس وقد استشهد في كلامه بثلاثمائة بيت . وكان أبو الهذيل « حسن الجدال قوى الحجة ، كثير الاستعمال للدلالة والإلزامات « 3 » . ولأبى الهذيل كتاب يعرف يميلاس . وكان ميلاس رجلا مجوسيا فأسلم ؛ وكان سبب إسلامه أنه جمع بين أبى الهذيل المذكور وجماعة من الثنوية ، فقطعهم « 4 » أبو الهذيل ، فأسلم ميلاس عند ذلك « 5 » » وقد بلغ من قوة جدله الذي شغل كل حياته ، وخاصة مع الزنادقة والمجوس والثنوية ، أن أسلم على يديه ثلاثة آلاف رجل ، وهو - كما يقول ديبور « 6 » - أول المفكرين الذين فسحوا للفلسفة المجال لتؤثر في مذاهبهم الكلامية »
--> ( 1 ) المنقذ من الضلال ص 79 - 80 . ( 2 ) كتاب المنية والأمل ص 26 . ( 3 ) يريد أنه يكثر من الاستنباط واستعمال القياس الذي يؤدى إلى نتائج ملزمة للخصم . ( 4 ) أي بطل حججهم وأسكتهم . ( 5 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان ج 1 ص 480 . ( 6 ) تاريخ الفلسفة الإسلامية ص 57 .